سدنة النيل وسر "الملك المنسي"
هدأت حركة المياه حول المركب الصغير، لكن القلق كان ينهش قلب "نور". رائحة النيل هنا كانت مختلفة، رائحة طمي معتق بخبيا آلاف السنين. آسر كان يوجه المركب ببراعة وسط ممرات ضيقة من نبات البردي، حتى توقفوا أمام صخرة ضخمة نُحتت على شكل رأس "تمساح" عملاق، تسيل من فمه مياه شلال صغير.
آسر (بصوت خفيض): "هنا نترك المركب. من الآن فصاعداً، نحن في حماية (سدنة النيل). لا تتركوا يدي، ولا تلتفتوا للخلف مهما سمعتم من أصوات."
ليلى (وهي تلملم حقيبتها المليئة بأدوات المكياج التي لا فائدة منها الآن): "أنا مش مطمنة لراس التمساح دي يا آسر.. ده ناقص يفتح بوقه ويقولنا (نورتم يا جماعة). هو مفيش طريق تاني يكون فيه رصيف وكافيهات؟"
زين (وهو يقفز للشاطئ ويمد يده لليلى بسخرية): "كفي عن الثرثرة وهاتي يدكِ. الطريق في الأسفل يحتاج لقلب محارب، وليس لقلب فتاة تبكي على (ماسك) الطمي!"
ليلى (وهي تمسك يده بقوة وتبرطم): "ماشي يا زين، لما نرجع أكتوبر وتشوف المترو والزحمة، هخليك تعرف مين المحارب بجد!"
دخلوا من خلف الشلال، ليروا نفقاً طويلاً منحوتاً في الصخر، جدرانه مغطاة بمادة فسفورية تلمع بضوء أزرق خافت كأنها "ليد" طبيعي. كانت الرسوم على الجدران مختلفة تماماً عما درسته نور في الجامعة؛ لم تكن رسوماً لملوك وانتصارات، بل كانت رسوماً لأجرام سماوية، ودوامات زمنية، وبشر يطيرون بين النجوم.
نور (بذهول وهي تلمس الجدران): "دي مش فن فرعوني عادي.. دي خريطة للكون! آسر، مين اللي بنى المكان ده؟"
آسر (وعيناه تراقبان الظلال): "بناه الذين جاءوا قبل الجميع. الكهنة الذين عرفوا أن الأرض مجرد محطة. نحن ذاهبون لمقابلة (سنفرو)، الملك الذي أراد أن يبني هرماً يصل للسماء، لكنه اكتشف سراً جعله يترك العرش ويختبئ هنا."
بعد مسيرة نصف ساعة، انفتح النفق على قاعة هائلة تحت الأرض، سقفها عبارة عن بلورات ضخمة تعكس ضوء الشمس القادم من فتحات سحرية بالأعلى. وفي منتصف القاعة، كان هناك رجل يجلس على مقعد حجري بسيط، شعره طويل وأبيض كالثلج، لكن عيناه كانتا شابتين ولامعتين جداً.
الملك سنفرو (بصوت هادئ ورزين): "لقد تأخرت يا آسر. كنت أظن أن البردية ستصل قبل "عيد الفيضان" بثلاثة أيام."
آسر (ينحني باحترام): "المعذرة يا مولاي، العقبات كانت كثيرة. والوزير (حيم يونو) استشعر قوتها."
التفت "سنفرو" نحو نور، وابتسم بوقار جعلها تشعر بالأمان فجأة.
سنفرو: "أهلاً بكِ يا ابنة المستقبل. لا تخافي، أنا أعرف أنكِ تتساءلين عن سبب وجودك هنا. البردية التي معكِ ليست مجرد ورق، إنها (مفتاح الذاكرة). هي التي تربط بين روحكِ وبين هذا الزمان."
نور: "يا مولاي، أنا أريد العودة فقط. أريد حماية هذه البردية من الوزير والرجوع لعالمي."
سنفرو: "للعودة ثمن، وللبقاء مهمة. الوزير يريد البردية ليفتح بوابة (عالم الظلام) ويتحكم في الموتى، وإذا فعل ذلك، فلن يكون هناك مستقبل لتعودي إليه أصلاً. سيمحى عالمكِ من الوجود قبل أن يبدأ."
في هذه الأثناء، كانت ليلى تتجول في القاعة بانبهار، حتى وجدت مجموعة من الجرار الفخارية المفتوحة التي تفوح منها روائح عطرية مذهلة.
ليلى (بصوت عالٍ): "يا جماعة! تعالوا شوفوا! ده عندهم زيوت عطرية هنا أحلى من اللي في (براندات) المولات! تفتكر يا زين لو أخدت واحدة هتحبس؟"
زين (وهو يقترب منها بجدية مفاجئة): "ليلى، هذه الزيوت كانت تستخدم لمسح أجساد الملوك قبل العبور. إنها مقدسة." ثم صمت قليلاً وأضاف بصوت منخفض: "لكن.. رائحة الياسمين تليق بكِ أكثر من رائحة الخوف."
تجمدت ليلى مكانها، ونظرت لزين بدهشة: "أنت بتعرف تقول كلام حلو أهو؟ طب ما كان من الأول يا أبو "نقبة" كتان أنت!"
قطع هذه اللحظة الرومانسية الهادئة صوت دوي انفجار هائل من الأعلى. تساقطت بعض البلورات من السقف، واهتزت القاعة بعنف.
آسر (وهو يشهر سيفه): "لقد وجدونا! حيم يونو استخدم (عين حورس) الملعونة ليتتبع طاقة البردية!"
سنفرو (وهو يقف بقوة): "آسر، خذهم إلى (غرفة الرمال المتحركة). هناك بوابة ستنقلكم إلى "الأقصر" القديمة. يجب أن تبتعدوا عن منف الآن. نور! ضعي يدكِ على البردية واقرئي السطر الثالث، الآن!"
نور فتحت البردية بسرعة، وبدأت الكلمات تتوهج بضوء ذهبي. قرأت بصوت عالٍ وواثق: "يا من تفتح المسارات، اجعل الأرض طوع بناني، وانقلنا حيث لا تطالنا يد الظالمين!"
انبعث شعاع ضوئي من البردية غطى الجميع، وفجأة بدأت الأرض تتحول لرمال ناعمة تبتلعهم. ليلى صرخت وهي تمسك يد زين، وآسر أحاط نور بذراعه ليحميها من الرمال المتطايرة.
في اللحظة الأخيرة قبل أن يختفوا تماماً، ظهر "حيم يونو" عند مدخل القاعة، ملامحه كانت مشوهة بالغضب والسحر الأسود، وصرخ صرخة هزت أركان الجبل: "لن تهربوا مني! حتى لو عبرتم لآخر الزمان، سأجدكم!"
سقط الجميع في ظلام دامس، يشعرون بالهواء يصفر في آذانهم، وكأنهم في "أسانسير" يسقط بسرعة جنونية.. لتنتهي اللحظة بسقوطهم فوق بلاط رخامي بارد، ورائحة بخور قوية جداً تخنق الأنفاس.
فتحت نور عينيها لتجد نفسها في مكان مختلف تماماً.. معبد ضخم جداً، أعمدته تصل للسماء، وفي الأفق يظهر تمثالان هائلان (ممنون) وهما يغنيان مع نسيم الصبح.
ليلى (وهي تخرج رأسها من وسط الرمال): "أنا تعبت.. بجد تعبت! إحنا في الأقصر؟ يعني إيه؟ يعني هنركب (حنطور) فرعوني ولا إيه النظام؟"
آسر (وهو يتنفس بصعوبة): "نحن في طيبة.. معقل السحر القديم. هنا ستبدأ معركتنا الحقيقية يا نور."